السبت، 19 ديسمبر 2015

المباني في السودان : الماضي، الحاضر و المستقبل ..

   وجهة الإنسان للمأوى قديمة قدم الإنسانية نفسها وتقع على قاعدة هرم ماسلو للإحتياجات. داخل كل منّا "معماري" بالفطرة، فالإنسان على مرّ التاريخ عمل على بناء مسكن يمنحه الخصوصية ويقيه شر تقلبات المناخ وغدر زوار الليل، واكتسب بالممارسة والخبرة التي تناقلت عبر الأجيال مهارات توظيف المواد والوسائل المتاحة لخلق سكن يفي باحتياجاته. ثم لاحقاً تطوّر ذلك إلى علمٍ يُدرَّس في الجامعات ويُمارس في سوق العمل وبالرغم من ذلك ما زال اكثر من 60% من المباني (السكنية تحديداً) يتم بناؤها من دون "معماري". 

كان وما يزال وسيظل للمناخ والبيئة المحلية الأثر الأعظم في أشكال المباني ومواد وتقنيات البناء المستخدمة. فنجد الأسقف المائلة في المناطق ذات معدلات الأمطار العالية والمباني الحجرية في المناطق الجبلية والخيام عند البدو الرحّل وهكذا. حالياً ومع التوجه العالمي لرفع الوعي بالتغيّرات المناخية وتأثيراتها نجد أن المبنى ليس فقط متأثراً بالمناخ والبيئة بل ويؤثر بشكل كبير عليهما، فقطاع المباني في العالم مسؤول عن استهلاك ما يعادل 40% من الطاقة و المواد، و ينتج حوالي ثلث انبعاثات Greenhouse gases.


كذلك تؤثر المباني على حياتنا العامة و الاجتماعية بشكل كبير فكما قال  رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشيرشيل :   


"We shape our buildings; thereafter they shape us".

فالمباني إذًا لها دور كبير في شكل حياتنا الاجتماعي و الاقتصادي و مستقبل الوجود الانساني إذا ما تم ربطها بقضية المناخ و الانبعاثات التي تفرزها للغلاف الجوي . الجهود العالمية تتجه اليوم نحو مسألة تقليص الانبعاثات من الغازات الضارة بالبيئة عن طريق قطاع المباني.

هذا مجرد تقديم للموضوع الذي أود الحديث عنه و هو مسألة شكل المباني في السودان و التغييرات التي طرأت عليها و تأثيرات هذه التحولات على شكل الحياة الاجتماعية و تقييدها للحرية و التضييق على مساحة القدرة على التكيف.

مباني الخرطوم القديمة كالتي جاء بتصاميمها الأتراك و الانجليز ، تعكس بعض التقنيات الحديثة في مسألة الاستفادة من أشعة الشمس، ففكرة البرندة مثلاً تماثل ما يعرف بمفهوم Solar Isolated Gain في الSun space حيث يتم تجميع الحرارة من الشمس في مساحة خارجية، بعدها يمكن الاستفادة منها في ادخالها الى باقي المنزل من عدمه في حالة الجو البارد مثلاً تحتاج هذه الكمية من الحرارة و في الصيف يتم عمل حاجز أولاً بدلا من أن تدخل أشعة الشمس و الحرارة مباشرة الى المنزل. هذه الحلول وغيرها مثل الإهتمام بتوجيه المبنى وتصميم الفتحات في الواجهات الشمالية والجنوبية وتقليل وعزل المساحات المعرضة لأشعة الشمس المباشرة كانت موجودة بصورة مبسطة في المباني القديمة.


أما عن مواد البناء، فمثلاً بيوت الطين التقليدية باستخدامها مواد صديقة للبيئة و الخشب في السقوفات، تعمل على خلق بيئة تلائم الظروف المناخية للخرطوم مثلاً كمدينة ذات مناخ شبه صحراوي ترتفع فيه درجات الحرارة. وجود مثل هذه النماذج يحتاج لتوفر القليل فقط من الكهرباء المستخدمة في التكييف، اذ يشكل التبريد حوالي 60% من الاستهلاك المنزلي في معظم البلدان و المناطق الحارة. مثل هذه المفاهيم تستخدم حاليا في البلدان المتقدمة لبناء ما يعرف بال( ZEB (Zero-Energy Building و هو مفهوم قائم على تقليص استهلاك الطاقة في المنزل الى الحد الأدني الذي يمكّن من تلبية متطلباته باستخدام طاقة متجددة مولدة محليا في مساحة المنزل نفسه أو مأخوذة من مصدر طاقة متجددة قريب بحيث يكون صافي استهلاك الطاقة يعادل صفر. و يستخدم تقنيات مشابهة تماما لما كان عليه الحال في المنازل القديمة المبنية من الطين في قرى و مدن السودان. 

العاصمة الخرطوم تشتكي من ارتفاع مستمر في درجات الحرارة و مع الطريقة الحديثة في البناء التي أملتها العولمة من وجود مباني من الأسمنت و الحديد أو ما يعرف بالبيت المسلح - وهو فعلاً مسلح لكن ضد الشخص الذي يستخدمه - فالمباني الحديثة لها كينونة تماماً كجسد الانسان ومع غياب الطاقة عنها تغيب الخدمات (انارة ، أجهزة كهربائية ، ماء ساخن الخ) و تصبح تماماً كالكهف. وجودها بتصاميم جاهزة يزيد من الضغط على توفر الكهرباء الأمر الذي يعاني منه السودان و مع ذلك تزيد كمية الأسمنت المستخدمة أكثر و أكثر، الأمر الذي يساهم في ارتفاع درجة حرارة المناطق المحيطة بهذه المباني، اذ تقوم بامتصاص أشعة الشمس في النهار و اطلاقها في الليل. المشكلة في هذه النماذج أنها استوردت ناقصة ودون مراعاة لخصوصية البيئة المحلية ومتطلباتها. حتى المتطلبات التي تُلزم بها المعايير العالمية في مثل هذه المباني لا يتم تطبيقها و مع عدم توفر الطاقة اللازمة لها يجعل الانسان يتسائل لماذا اذا هذا الاصرار عليها مع كل التقييدات التي تفرضها و هو ما يقودني الي الجانب الاجتماعي في الموضوع في الفقرة التالية. 

مسألة استيراد هذه النماذج الجاهزة و محاولة تطبيقها ولكن تطبيق ظاهري، تفطن له الاستاذ محمود محمد طه في وقت مبكر ولكن في المظاهر الاجتماعية لسودان ما بعد الاستقلال، فقال: "نحن نعيش على قشور من الاسلام، و قشور من المدنية الغربية". الأمر الذي يعكس حالة الصراع بين العالمية والمرجعية، العالمية هنا متمثلة في المدنية الغربية أو الحضارة الأوربية الرأسمالية و هي حضارة كما وصفها دكتور عطا البطحاني بأنها تميزت على الحضارات السابقة بقدرتها على فرض نفوذها وأنها لم تقم على أساس مادي عسكري فقط بل قامت أيضا على أساس فكري و ثقافي و حضاري و خلقت لنفسها نموذجاً عالمياً و أسست له بحيث لم و لن تجعل أحداً يستمتع بعزلته*. و المرجعية متمثلة في العادات المجتمعية والدين الاسلامي وتواجده في المجتمع بعد أن أخذ صبغة هجين بمخالطته لكل الثقافات والعادات وخرج بنموذج ذي طابع خاص أكثر تسامحاً مع  الكثير من ممارساته المجتمعية كما أشار الى ذلك الطيب صالح في احدى مقابلاته. فبذلك أصبح الإنسان السوداني يعيش صراع العالمية و المرجعية و هذه الثنائية أنتجت حالة من العيش في منطقة وسط أو في مناطق لا هي عولمة كاملة و لا هي مرجعية تامة. الأمر الذي انعكس على شكل المباني. فالمباني القديمة أو بيوت الطين أو الطوب الأخضر تميزت بتصاميم ملائمة للواقع الاقتصادي و البيئي والعادات الاجتماعية من خلال فكرة الحوش الكبير، حيث يوجد عدد من الأسر تقيم في منزل واحد به فناء واسع تمارس فيه حياتها اليومية في مساحة كبيرة للاحتكاك و التداخل، و فكرة "النفاج" حيث يمكن التحرك بين بيوت الأسر أو الوصول الى الجيران من دون الحوجة الى الخروج الى خارج المنزل أو الشارع. هذه السهولة في الحركة والتداخل خلقت نوع من الوحدة الاجتماعية و روابط قوية جداً. أما في حالة الموظفين القدماء في الحكومة " الأفندية" و البناء على الطريقة الانجليزية، التي راعت البيئة بفكرة " البرندات " وخلافه مثلت فئة من المجتمع بطريقة حياة اجتماعية مختلفة اذا أردت أن تسميها قشور من المدنية الغربية فلك ذلك.
المشكلة في النماذج الجاهزة للبيوت الحديثة التي صاحبت التحولات الاقتصادية و السياسية في المجتمع السوداني وأصبحت تشكل رمزاً للترقي الطبقي و المكانة الاجتماعية فهي نماذج استوردت جاهزة و لم تلائم شكل المناخ في السودان أو الخرطوم تحديداً، ولا القصور الذي نعانيه في انتاج الطاقة الكهربائية، فهي تفتقر إلى ميزة التكيّف مع المناخ التي تتيحها لك التصاميم السابق ذكرها، وتعتمد بصورة زائدة على وجود الكهرباء وتشجع على الاستهلاك المكثف. البعد الاجتماعي هو ابرز مظاهر حالة الصراع بين العالمية و المرجعية التي نعيشها فالبيوت القديمة بمبانيها و تصميمها كانت تلائم نوع معين من العادات الاجتماعية و ممارسات المجتمع في الأفراح و الأتراح وخلافه. فأصبح الشخص ينتقل من تلك البيئة الى المباني الجديدة، فيفاجأ بأن هذه المباني لا تلائم مثل هذه الممارسات و تفرض عليه نوعاً جديداً من شكل الحياة الاجتماعية فيدخل في حالة انفصام بين شكل الحياة القديمة التي تعوّد عليها و بين الحياة التي شكلتها و فرضتها المباني الحديثة بطابعها العالمي.

هذه التحديات ليست حصراً على السودان، فالمباني في العالم أجمع تتشكّل في مواجهة تيارالعولمة الجارف في طريقه كل مظاهر المحلية والتمسّك بالهوية، بالإضافة الى التقلبات المناخية الناتجة من الاحتباس الحراري التي أخضعت حتى اكثر المدن تخطيطاً واهتماماً بالمباني لإمتحانات طبيعة مفاجئة مؤخراً. ولكن ومع التطور التكنولوجي في عالم مواد وتقنيات البناء يجدر بنا العمل على القفز بقطاع المباني فوق حواجز الزمان والمكان مستصحبين معنا تراكم كل الخبرات الإنسانية والتجارب السابقة ومستفيدين من اخطاء الماضي للخروج بنماذج مريحة ملائمة للبيئة ولإنسان هذه الأرض واعين بمسئولياتنا تجاه الأجيال القادمة والمستقبل الواعد.

مقال مشترك : إيمان صالح / سامح مبارك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أزمة الحكم في السودان - عطا الحسن البطحاني.

الأحد، 4 أكتوبر 2015

تنمية متوازنة .. سلم وطيد

السودان بلد يتميز بالتنوع العرقي و الثقافي ، مما يجعل منه خاضعا اما لمفهوم التعددية (Plurality ) و هي فهم اجتماعي لتوحيد المجموعات المختلفة و ظهور منظومة أخلاقية مركزية و تكاملية أو مفهوم المجتمع التعددي (Pluralism ) و هو يعني الاختلاف و الانفصال بصورة غير متداخلة للمجموعات المختلفة بحيث تسيطر أقلية من خلال قوة سياسية مهيمنة  تفرض سياساتها و ثقافتها على المجموعات الأخرى من خلال سيطرتها على جهاز الدولة. يتضح من السابق أن السودان أقرب للمجتمع التعددي منه الى التعددية ، و بالتالي يتخذ الصراع فيه طبيعة فرض فصيل هويته و ثقافته على المجموعات الأخرى مستغلا هذه القوة. 
الغرض الأساسي من كتابة هذا المقال هو محاولة للمساهمة في الوصول الى عملية سلام مستدام في السودان. المنطلق الذي سأبدأ منه هو طبيعة العلاقة بين صراع الهوية و التنمية الاقتصادية  ، فبإعتقادي تنشأ هنا علاقة جدلية بين الاثنين و هي التي تأخذ في خلق أنماط مختلفة للصراع في السودان و لكن يمكن تفاديها و التقليل من حدتها اذا ما تم فهم طبيعة هذه العلاقة بصورة جيدة. في ظل التهميش لمجموعة من المجموعات ، تصبح أوضاعها الاقتصادية و استقرارها أكثر هشاشة و بالتالي تجدها في محاولة للدفاع عن هذه الحالة من الاهمال و الاقصاء ، تتعنصر و تتمسك بثقافتها و عرقها بصورة أكثر حدة و شراسة للبقاء و الحفاظ على النوع و مع محاولات الفئة المهيمنة فرض ثقافتها تنشأ الأزمة بصورة حادة و مع عدم توازن القوى تبدأ هذه المجموعة المهمشة في البحث عن وسائل للمقاومة تصل في قمتها الى السلاح و التمرد على السلطة المهيمنة و يتخذ الصراع شكلا عرقيا و ثقافيا للبقاء أكثر من كونه مجرد تهميش اقتصادي بسيط . المجموعات المختلفة لها ثقافات مختلفة و أنشطة اقتصادية مختلفة ، تتقاطع مع بعضها أحيانا فتكون طبيعة الصراع فيما بينها أكثر حدة في حالات الأزمات و الخطر على البقاء ، فمثلا وجود مجموعات تعمل في الرعي و الزراعة و حركة هذه المجموعات في مواسم الأمطار و التداخل الذي ينشأ بينها يسهم بشكل كبير في تحديد طبيعة علاقات العداء و المودة أو التعاون بينها. ففي حالة جدب الموسم تشتد حدة الصراع نسبة لاتخاذه طابع صراع الهوية ، حيث كما أشرنا سابقا الى العلاقة بين المادة و الهوية ، حيث مع الاحساس بالخطر يشتد التعنصر و التوحد و الاحتماء بالمكون العرقي و الثقافي للمجموعة و تصبح طبيعة الصراع على الموارد بين المجموعات الرعوية و المجموعات الزراعية أكثر شراسة و حدة و في أزمات دارفور مثال جيد ، كذلك علاقات المسيرية بدينكا نقوك في منطقة أبيي مثال آخر ، حيث تختلف طبيعة العلاقات و حدة الصراع مع التغيرات المناخية و أثرها على الموارد .
اذًا كيف يمكن الوصول الى حالة من السلم المستدام ؟. الأمر في رأيي يكمن في إزالة التهميش و الإنتقال من مفهوم المجتمع المتعدد الى التعددية بصورة سلسة و طوعية ، حيث يمكن ذلك بإقامة المشاريع الكبيرة ، كتجربة مشروع الجزيرة مثلاً ، ففيه العديد من المجموعات العرقية ، لها أوضاع مادية مختلفة و بينها صراع و لكنه يبقى صراع أقل حدة ولا يرقى إلى درجة العنف المسلح ، و لا يتم استدعاء المكون العرقي و الثقافي ، بسبب أن الوضع الاقتصادي و الاستقرار الذي وفره المشروع لهذه المجموعات خلق بينها نوع من التعايش و تقبل الآخر الثقافي و العرقي بدرجات مقبولة ، و بصورة تدريجية بدأت تنشأ منظومة أخلاقية تكاملية ، تأخذ الحد الأدني المتوافق عليه و بدرجات متفاوتة حسب الوضع المادي لكل مجموعة و بالتالي تم الانتقال طواعية نحو التعددية و بالتالي زيادة فرص السلام المستدام ، بالتقليل من حدة صراع الهوية و المكون الثقافي عن طريق التنمية الاقتصادية و العلاقات الانتاجية الجديدة التي وفرها المشروع في شكل مشابه لما يحدث في المدن. 
يمكن أيضا في حالة الصراع بين المجموعات الرعوية و الزراعية ، تطوير الأدوات الزراعية لتلك المجموعات و مساعدتهم بالتدريب على وسائل تكنلوجيا متطورة تزيد من الانتاجية ، باستخدام أنواع أفضل و أجود من الأسمدة و البذور المحسنة و خلافه ، و محاولة ضبط مسارات الرعي و خلق نوع من الأسواق و النشاط التجاري بين هذه المجموعات لتنشأ علاقات اقتصادية تساهم في الاستقرار المادي لهذه المجموعات و بالتالي التقليل من الخطر على البقاء و استدعاء المكون العرقي و الثقافي كما أسلفنا. الأمر الذي سيساهم في استدامة السلم و تقوية المزارعين في مواجهة خطر البيئة مع التغيرات المناخية المفاجئة و التقليل من حدة الصراع المتوقع حدوثه نتيجة شح الموارد مما يزيد من فرص استدامة السلام .
من المشاريع التي من شأنها أيضا أن تزيد من التوجه نحو القومية هي مشاريع المواصلات و النقل ، فسهولة التنقل ، تقود الى التبادل الثقافي و التبادل التجاري و النشاط الاقتصادي ، الأمر الذي سيسهم بشكل مباشر في الانتقال من المجتمع التعددي الى التعددية ، حيث ستبرز مسألة القومية بصورة أكثر سلاسة و موضوعية . فمشاريع النقل و في مقدمتها السكك الحديدية تعتبر عصب النقل و التنمية المتوازنة ، العمال في هذه المؤسسة ، سينتقلون اليها من مجموعات مختلفة و بالتالي سيتخذ الصراع طابعا آخر ناتج من طبيعة عملهم و حقوقهم و ليس هويتهم العرقية و الثقافية . التنقل بين المناطق المختلفة و التبادل التجاري بين المناطق المختلفة ، سيزيد من الانصهار و التمازج في قومية أكبر و مركزية أخلاقية تكاملية موحدة ، تعمل على جمع كل المكونات العرقية و الثقافية و الانتقال بها الى مستويات أخرى من الصراع ، أقل عنفا . الأمر الذي سيساعد بشكل كبير في استدامة السلام .
تبقى  طبيعة الصراع مع المجموعة المهيمنة في السلطة و كيفية اجبارها على قبول المكونات الأخرى و انشاء مثل هذه المشاريع التي تساهم في التقليل من الحروب و استدامة السلام مسألة معقدة .فبغياب الديمقراطية ، من الصعب جدا القيام بمثل هذه الاصلاحات ، يمكن أن تساعد البرامج التنموية للأمم المتحدة في بعض هذه الحلول و لكن الارادة السياسية للمجموعة المهيمنة تبقى ذات أثر أكبر. فلابد من وجود ديمقراطية راسخة قادرة على توفير أرضية مشتركة للقوى المختلفة و المجموعات المختلفة حتى تعمل من أجل الحصول على تنمية متوازنة و سلم وطيد.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

أسطورة الغريب الحكيم

هي أسطورة في الثقافة الافريقية عموما و الثقافة الافريقية المسلمة بصورة اكثر خصوصية تتلخص في قدوم وافد غريب على المجتمع مصاب بجرح او مرض يتم معالجته باشراف زعيم المجتمع المعين و ينتقل إلي انه يكون مستشار للزعيم و يصاهره، الغريب الحكيم يكون له دور في تغيير بنية المجتمع المادية و الروحية و لكن يغلب عليه الجانب الروحي الغريب الحكيم قادم من مكان مجهول و يحمل ثقافة اسلامية و يرتبط بالبيت النبوي في حالة الثقافة الافريقية الاسلامية أما في الثقافة الافريقية فيكون قادم من مكان مجهول و يحمل ثقافة مختلفة ليست بالضرورة انها الاسلام تحديدًا حيث وجدت أمثلة عند الدينكا حيث يكون الغريب خارج نطاق النوع البشري كما في اسطورتهم المعروفة باسم " أويل لونقار " و عادة ما يكون الغريب بطلا ثقافيا يحمل صفات ايجابية تسمح له بالاندماج في المجتمع المستقبل له و كسب ثقة قادته و زعمائه مما يسمح له بالتأثير على هذا المجتمع في عدة مستويات كما أشار سيد حامد حريز في بحثه عن أسطورة الغريب الحكيم مستخدما أدوات الفلكلور حيث اختار العديد من روايات الاسطورة لدى جماعات الفور و الهوسا و البرقو.
نتيجة المصاهرة مع زعيم المجتمع هي ولادة ابن الغريب الخليط بين الثقافتين و الذي يصبح الزعيم الجديد للمجتمع فيما بعد. هذه الظاهرة تشابه الطريقة التي تم بها تكوين المجتمعات الخليط بين الثقافتين الافريقية و الاسلامية ، نوجد مثالا دخول الختمية الى السودان ، و دخول العبابسة في مناطق الرباطاب ، حيث أتوا كغرباء و أحفاد لشرف الدين العباسي و عملوا بالسواقي التي أعطيت لهم ليستصلحوا الأرض. حيث مثل دخولهم نموذجا لظاهرة الغريب الحكيم حيث لم يكونوا مبشرين بالاسلام بصورة مباشرة الا بعد قدوم الفونج و اعلان السلطنة الزرقاء كدولة افريقية مسلمة ، حيث وهبتهم السلطة الدينية حيث أمرت بعدم المساس بهم و مساعدتهم على تعليم القرآن و وهبت السعداب السلطة السياسية ، و بهذا تقارب واضح مع أسطورة الغريب الحكيم الذي يفد من مكون عرقي و ثقافي مختلف و من مكان مجهول للمجتمع المستقبل لهذا الغريب ، حيث يدخل في المجتمع ليس عن طريق الدين فقط بل عن طريق المعاملة و هو الأمر الذي لاحظه سيد حامد حريز في تكرار هذه الظاهرة التي شهدت انتشار الاسلام في المجتمعات الافريقية .
دكتور محمد المهدي بشرى حاول أن يتلمس وجود ظاهرة الغريب الحكيم في روايات الطيب صالح و وصل إلي أن الموضوع اخذ نسقا  تصاعديا بداية من دومة ود حامد و حتى بلغ قمة وضوحه في ضو البيت .  الغريب الحكيم اخد اشكالاً مختلفة عند الطيب صالح منها الشكل الروحي في صورة اولياء الله "ود حامد و الحنين" و اخد شكل مادي في شخصيات "مصطفى سعيد و ضو البيت".
ود حامد تقارب مع اسطورة الغريب الحكيم الفلكلورية في مستوى الحضور من مكان  مجهول و الجانب الروحي المتمثل في كراماته و تركه لأثر ليس بالولد لكن الضريح الذي نبتت بجواره الدومة المشهورة. محورية الدومة و ارتباطها بوجدان أهل القرية خلق التغيير البيقوم بيه الغريب الحكيم بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية حيث هنا التغيير تم بعد موته. في مقاربة  مع السيد المسيح في مسألة تحوله إلى سلطة روحية بعد الصلب متمثلة في الأخلاق المسيحية و التعاليم التي أمر بها حيث انتقل من حيز الحضور المادي المباشر الى حضور في لاوعي المجتمع المسيحي مع وجود رمزية الكنيسة، حيث تقابلها هنا مسألة الضريح و الدومة كآثار باقية تدل على وجود السلطة الروحية للغريب الحكيم ود حامد. غياب الغريب المادي و بقاء سيرته في اللاوعي المجتمعي أعطته قدرة على خلق تأثبر مستمر مستند على إرثه و تجسيد مستوى معين من القيم و المفاهيم الأمر الذي تجسد في الولي الحنين الذي أتى ل"سعيد عشا البايتات" من رواية ضو البيت في المنام و حثه على الذهاب الى قصر بندر شاه حيث ثار عليه أولاده و أطاحوا به لجبروته و سلطته الأمر الذي يعزيه دكتور بشرى لكون الحنين موجود في لاوعي سعيد و الأمر مجرد اسقاط لهذا الأمر.
 التغيير الذي قام به الولي ود حامد تم في لاوعي المجتمع في التاريخ الروحي للمجتمع باعتبار الدومة و ود حامد يمثلان البعد الروحي الذي يلجأ إليه أهل المجتمع المعني.
رحيل الغريب الحكيم بنفس القدر من الغموض عادة ما يكون بإختفاؤه المفاجئ أو عودته من حيث أتى و لكن تبقى آثاره في شكل نسله أو التغييرات التي أحدثها باقية دالة عليه. في شخصية الحنين الولي لاحظ دكتور بشرى مقاربة مع اسطورة الغريب الحكيم و بنفس أسلوب ود حامد ، حيث يعتبر الحنين غريب في جانب الروحانيات و الغيبيات للمجتمع. فيختلف الحنين عن ود حامد في أن الحنين ما ترك أثره في شكل الدومة لكن في تدخله المباشر و تنبؤاته و انه عاش في وعي المجتمع و واقعه المادي
الحنين يقارب الغريب الحكيم في مسألة إحداث تغيير في المجتمع عن طريق كراماته المتمثلة في تنبؤاته بالمستقبل حيث تنبأ  بزواج الزين من أجمل بنات القرية و استناد سعيد عليه في الثورة على وضعه فيما بعد حيث جمع بين التغيير عن طريق التدخل المباشر و التغيير من حيث كونه أصبح قابعا في لاوعي أهل القرية .
شخصية مصطفى سعيد شكلت تطوير لاسطورة الغريب الحكيم محاولة لجعلها أكثر مدنية و مادية منها دينية روحية فمصطفى سعيد كان غريب غرابة  دم و ثقافة و من مكان معلوم هو الخرطوم  ، لكنه قدم القرية و هو يحمل علم و ثقافة أثرت في اقتصاد القرية و أتى من النيل و رجع اليه . مصطفى سعيد خلق تغيير ثقافي كبير تمثل في حسنة بت محمود التي غرز  فيها ثورة ضد التقاليد و زرع فيها اشياء غريبة على مجتمع ود حامد و هو الأمر الذي برز بعد اختفاء مصطفى سعيد برفضها الزواج من ود الريس و اعلانها انها ستقتله و تقتل نفسها ان حدث ذلك ، اضافة الى التغييرات التي حدثت على فهمها و طريقة حياتها عموما اذ قاربت نساء المدينة و كذلك افصاحها عن رغبتها في الزواج من الراوي لوالديه صراحة . مصطفى سعيد قدم تغيير مادي مدني تمثل في خبرته في التجارة و الحسابات و الاقتصاد و رفع الناحية المادية للمجتمع ، أما ضو البيت فهو يمثل اسطورة الغريب الحكيم في أغلب الجوانب الا مسألة الدين فهو كان لا دينيا و دخل الاسلام على يد أهل القرية و تمت اقامة طقوس العبور له  ، لكنه جاء مصابا و تمت معالجته و تمت مصاهرة بينه و بين اهل المجتمع الجديد بالاضافة الى غيابه و اختفائه من حيث أتى و هي كلها تمثل أبرز معالم أسطورة الغريب الحكيم . ضو البيت كان أقرب الى مصطفى سعيد من ناحية التغييرات المادية التي أحدثها و تحديدا في جانب الزراعة و تفوقه فيه بالاضافة لتميزه في مجال التجارة حيث طور ضو البيت المجتمع الزراعي في ود حامد و علمهم طرق جديدة للزراعة و كان يزرع محاصيل الشتاء في الصيف و العكس كذلك ادخل محاصيل جديدة كالتنباك الذي أسماه الاكسير . يكاد ضو البيت ان يكون تجسيد واضح لاسطورة الغريب الحكيم فهو بعد المصاهرة انجب عيسى "بندر شاه" الذي تزعم المجتمع فيما بعد.